محمد أبو زهرة

382

المعجزة الكبرى القرآن

مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ( 75 ) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثم وجده في وعاء أخيه ، وبحكمهم أخذ أخاه وأبقاه عنده وتحركت فيهم الحال التي كانوا فيها عندما رموا بيوسف في الجب : قالوا : إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ وبذلك ثارت في نفوسهم الغيرة القديمة ، وإذا كانت في أول أمرها قد دفعتهم إلى القتل ، أو السير في سبيله ، فقد دفعتهم هذه المرة إلى الكذب ورمى البرىء بالسرقة ، فأسرها يوسف في نفسه ، ولم يبدها لهم ، فقال أنتم شر مكانا ، واللّه أعلم بما تصفون ، فأحسوا بالتبعة عند لقاء أبيهم ، وأرادوا أن يتشفعوا بحال أبيهم الشيخ فقالوا : إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( 78 ) قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ ( 79 ) . يئسوا من أن يعودوا بأخيهم لأبيهم الشيخ ، وتعرضوا للظنون التي لها في ماضيهم ما يؤيدها ، وهموا بالعودة ، ولكن كبيرهم كان إحساسه بالتبعة أشد من سائرهم فقال لهم : أَ لَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ ( 80 ) ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ ( 81 ) وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنَّا لَصادِقُونَ ( 82 ) . عادوا إلى أبيهم وقالوا ما لقنهم إياه أخوهم الكبير الذي تخلف عنهم استحياء من لقاء أبيه ، ولكن الأب الشيخ لم يطمئن إلى ما قالوا ، وقال لهم : بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ . وإن الأمر إذا تأزم كان من لطف اللّه بعباده أن يفتح نافذة من الأمل في وسط التأزم ، فكانت تلك النافذة ، وقال نبي اللّه الشيخ : عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ وفي وسط هذه الحال استيقظ الماضي فتذكر ابنه المفقود يوسف الذي لا يعلم حاله ، أهو حي يرزق أم ميت قبر ، وقد برح به الحزن ، ويقول اللّه تعالت كلماته في وصف حاله : وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ( 84 ) رأوا أن أباهم لا يزال يذكر يوسف ، ولا ينى عن ذلك حتى يتلف جسمه أو يموت ، وصارحوه بذلك ، فقال الشيخ الجريح القلب : إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 86 ) . وفي وسط هذه الغمة عادت إليه بارقة الأمل كما عادت أولا ، فقال بحنان الأب الشفيق : يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ ( 87 ) .